تؤكد مراسلة صحيفة لوموند من الضفة الغربية، إيزابيل ماندرو، في تقرير ميداني حديث، أن المستوطنين الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم ضد المدنيين الفلسطينيين يحظون بحماية غير معلنة تجعلهم بمنأى عن أي عقاب حقيقي.

 

ورصدت الصحيفة الفرنسية غيابًا تامًا لأحكام السجن الصادرة عن المحاكم الإسرائيلية بحق مستوطنين ثبتت مسؤوليتهم عن قتل مدنيين فلسطينيين منذ عام ألفين وعشرين، رغم تصاعد وتيرة هذه الجرائم وزيادة حدتها ودمويتها بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة.


وتشير صحيفة لوموند في تحقيقها إلى أن هذا الوضع المأساوي يتجاوز مجرد الصدفة ليصبح ظاهرة مؤسسية؛ إذ يوثق التقرير حالات ميدانية لضحايا سقطوا برصاص المستوطنين دون أن تتحرك يد العدالة لمساءلة الجناة. وتبرز في هذا السياق قصة الشاب سعيد نعسان، الذي كان يعمل فنياً كهربائياً وقُتل برصاص مستوطن مسلح قرب منزله في قرية المغير شرق رام الله.

 

وتظهر الأدلة المصورة التي حصلت عليها الصحيفة مستوطناً يرتدي قميصاً أبيض وهو يطلق النار بكثافة من سلاح آلي تجاه القرية، ثم يظهر لاحقاً في صور أخرى وهو يتجول بحرية بين أصدقائه حاملاً سلاحه، مما يعكس حالة من الاستهتار التام بالأرواح تحت رعاية نظام قضائي يتجاهل دماء الضحايا الفلسطينيين.


تصاعد العنف الميداني واستهداف المدنيين العزل


لم تقتصر هذه الانتهاكات على القتل المباشر فحسب، بل امتدت لتشمل اعتداءات جسدية عنيفة تهدف إلى ترهيب السكان وتهجيرهم من أراضيهم. ففي بلدة ترمسعيا، هاجمت مجموعات من المستوطنين الملثمين مزارعين فلسطينيين أثناء جنيهم ثمار الزيتون، واستهدفوا المسنين والنساء بضربات مبرحة باستخدام العصي الغليظة.

 

وأسفر أحد هذه الاعتداءات عن إصابات بالغة لامرأة في الخمسينيات من عمرها، حيث أصيبت بكسور وجروح قطعية في الرأس أدت إلى شلل دائم في يدها. ورغم توثيق هذه الوقائع من قبل متطوعين دوليين وشهود عيان، تظل قوات الأمن الإسرائيلية في الغالب مراقبة للموقف دون تدخل، بل إنها تساهم في بعض الأحيان بتوفير غطاء أمني للمعتدين للانسحاب بسلام من مسرح الجريمة.


غياب المحاسبة القضائية ودور المحاكم الإسرائيلية


يكشف تحليل البيانات القضائية الذي أجرته الصحيفة عن فجوة هائلة بين حجم الجرائم المرتكبة ونسبة الإدانة الفعلية؛ إذ تتبع السلطات القضائية الإسرائيلية مساراً يؤدي في الغالب إلى إغلاق الملفات بدعوى نقص الأدلة أو تعذر تحديد هوية المهاجمين، حتى في الحالات التي تتوفر فيها مقاطع فيديو واضحة وتصريحات لشهود عيان.

 

ويرى الخبراء الحقوقيون أن هذا النظام يخلق بيئة خصبة لاستمرار العنف، حيث يدرك المستوطنون أن أفعالهم لن تقودهم إلى غياهب السجون. وتؤدي هذه السياسة الممنهجة إلى تعميق الشعور بالظلم لدى الفلسطينيين، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين مطرقة الاعتداءات الميدانية وسندان القوانين التي لا توفر لهم الحد الأدنى من الحماية أو الإنصاف.


تداعيات الإفلات من العقاب على السلم الإقليمي


تتجاوز خطورة هذه الجرائم حدود القرى المتضررة لتلقي بظلالها على الاستقرار العام في المنطقة؛ فاستمرار هذه الاعتداءات تحت نظر المجتمع الدولي يغذي حالة الاحتقان والغضب الشعبي. ويؤدي توغل المستوطنين في عمق الأراضي الفلسطينية والاستيلاء على الموارد الطبيعية والمزارع بقوة السلاح إلى تقويض أي فرص مستقبلية للحلول السياسية.

 

وخلص التقرير إلى أن غياب الإرادة السياسية لدى الحكومة الإسرائيلية في لجم هذه المجموعات المتطرفة يعزز من سلطة المستوطنين ويحولهم إلى قوة موازية للدولة تمارس العنف دون رادع، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لمواجهة هذا الانتهاك الصارخ لمبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الذي يحرم استهداف المدنيين في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.

 

https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/04/17/in-the-west-bank-israeli-settlers-who-commit-crimes-enjoy-total-impunity_6752548_4.html